أبي منصور الماتريدي

249

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ويقال : الأمة : القامة أيضا ؛ يقال : فلان حسن الأمة ؛ أي : حسن القامة ، ويقال : الأمم : القريب . فهو يحتمل هاهنا الوجهين اللذين ذكرناهما ؛ أي : ذكر بعد حين ووقت ، أو بعد نسيان ؛ من قرأه بالنصب ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ . معناه : أي أنا أنبئكم ببيان تأويلها لا أنه كان ينبئهم هو بنفسه ؛ ألا ترى أنه قال : فَأَرْسِلُونِ . يُوسُفُ فيه إضمار ؛ كأنه قال : فأرسلوني إلى يوسف ، وليس في تلاوة الآية أنه أرسل إليه ، ولا إتيانه إليه ، ولكن فيه دليل أنه أرسل إليه فأتاه ؛ فلما أتاه قال له : أَيُّهَا الصِّدِّيقُ . قيل : الصدّيق : هو كثير الصدق « 1 » ؛ كما يقال : شرّيب وفسّيق وسكّير ؛ إذا كثر ذلك منه ، والصديق : هو الذي لم يؤخذ عليه كذب قط ، أو سماه صديقا لما عرف أنه رسول الله ، وهو ما قال في إبراهيم إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا [ مريم : 41 ] . أو يقول : أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ أي : أنا أتعلم منه ؛ فأنبئكم بتأويله . وقوله - عزّ وجل - : أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ . فأفتاها له وعبرها عليه ؛ وهو ما قال : تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً إلى آخر ما ذكر . وقوله : ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ . هذا تفسير « 2 » رؤيا الملك للذي سأله . وقوله - عزّ وجل - : لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ . هذا يحتمل وجوها : يحتمل : يعلمون أن هذه الرؤيا حق ولها حقيقة ؛ ليس كما قال أولئك : أضغاث أحلام . والثاني : يعلمون فضلك على غيرك من الناس ، أو يعلمون أنك تصلح لحاجاتهم التي في حال يقظتهم ؛ فيرفعونها إليك ؛ كما أصلحت ما كان لهم في حال نومهم ، ثم علمهم الزراعة ، وجمع الطعام « 3 » والادخار أن كيف يدّخر حتى يبقى إلى ذلك الوقت ، فقال :

--> ( 1 ) ذكره البغوي في تفسيره ( 2 / 429 ) ، وأبو حيان في البحر المحيط ( 5 / 314 ) . ( 2 ) في أ : تعبير . ( 3 ) في أ : الطاعات .